القاضي التنوخي

399

الفرج بعد الشدة

وقال : أحسنت يا [ أبا ] صدقة . فلمّا سمعت ما خصّني به من استحسانه ، قلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ لهذا الصوت حديثا عجيبا ، أفلا أحدّثك به يا أمير المؤمنين ، لعلّه يزداد حسنا . فقال : بلى ، هات . فقلت : كنت يا سيّدي ، عبدا لبعض آل الزبير ، وكنت خيّاطا مجيدا ، أخيط القميص بدرهمين ، والسراويل بدرهم ، وأؤدّي ضريبتي إلى سيّدي في كلّ يوم درهمين ، وآخذ ما فضل عن ذلك ، فبينما أنا ذات يوم منصرفا ، وقد خطت قميصا لبعض الطالبيّين ، وقد أخذت منه درهمين ، وانصرفت إلى موضع يجتمع فيه المغنّون ، كنت أقصده إذا فرغت من شغلي ، لشغفي بالغناء ، فلمّا صرت بحذاء بركة المهدي ، إذا أنا بسوداء على رقبتها جرّة ، تريد أن تملأها من ماء العقيق « 5 » ، وهي تغنّي بهذا الصوت ، أحسن غناء يكون ، فأصابني من الطرب بغنائها ما أذهلني عن كلّ شيء . فقلت لها : فداك أبي وأمي ، ألقي عليّ هذا الصوت . فقالت : استحسنته ؟ فقلت : إي واللّه . فقالت : وحقّ القبر ومن فيه ، لا أعدته إلّا بدرهمين . فدفعت الدرهمين إليها ، فأحدرت جرّتها عن رقبتها فارغة ، فوضعتها

--> بحضرة خاصّ جواريه ( التاج 37 ) والرشيد أوّل من جعل للمغنّين مراتب وطبقات ( تاريخ الخلفاء 295 ) وصيّر أمرهم إلى مسرور الخادم ( الأغاني 6 / 304 ) وكان الرشيد يصحّح على المغنّين أخطاءهم ( الأغاني 6 / 301 و 302 ) . أمّا الأمين فكان متبذّلا لا يبالي مع من قعد ، ولا أين قعد ( التاج 42 ) أمّا المأمون ، فقد أقام بعد قدومه بغداد عشرين شهرا لا يسمع حرفا من الأغاني ، فكان أوّل من تغنّى بحضرته أبو عيسى ابن الرشيد ، ثم واظب على السماع متستّرا ، متشبها في أوّل أمره بالرشيد ، فأقام كذلك أربع حجج ، ثم ظهر للندماء والمغنّين ( الأغاني 5 / 383 ) . ( 5 ) العقيق : مسيل ماء شقّه السيل خارج المدينة ، للتفصيل راجع القصّة 484 من الكتاب .